حين توضع المقادير بالشكل المناسب - الجزء الأول

أجلس الآن الى الطاولة، أضع امامي الحبر والورق وكأس شاي، أنظر من زجاج المقهى خارجًا، أحاول إيجاد حدثٍ يُحيي الألهام الذي خمد داخلي؛ أطفال يرتدون ثيابًا ملونةً زاهيةً مثلهم، وشبابٌ طياشٌ يتخبطون هنا وهناك يبحثون عن نقطة ارتكاز في دوامة ربع العمر الذي يعيشون فيها، وشيّابٌ يمشون بهدوء، لا يمشي الواحد منهم قليلًا حتى يقف وينظر ويلتفت كأنهم يودعون الأرض ويأخذون منها آخر تفاصيلها. شمسٌ قد شارفت على الغروب وسماءٌ تزينت بألوانه، هنا طيرٌ يحط على الأرض يأخذ فتات الأكل وذاك يقفز من غصنٍ لأخر، وحمامةٌ أطربني هديلُها كأنها تنشد اغنيةَ وداع لهذا اليوم. صوت الموسيقى العذب الذي يعمد هذا المقهى على تشغيله يجذب من ضاق به الحال، من تركته الحياة يقاسي حروبها دون ارشاد، وآخرون أضاعوا إلهامهم في عيون أحد المارة، أو ربما صوتٌ شجي أطرب سمعهم. دخلت آنسة في العشرين من عمرها الآن، جلست إلى الطاولة المقابلة إلي، بدت عليها ملامح عدم الارتياح، أخذت تنظر خارجًا حتى أضاعها التفكير عن الواقع، ربما أراحها ذلك قليلًا، وأنا أنظر إليها سرقني الالهام دون أن أدري، وأخذت القلم بيدي وصففت الورق وبدأت أكتب: لا أعلم لما يفرض العالم علينا العيش في متاهة، ولما لا ينفك يقدم لنا اختبارًا تلو الآخر حتى إذا اجتزت الأول خرجت فرحًا وجدت نفسك وسط متاهة أخرى! ولما يعاقب الناس على ما يملكون، أنانيةُ الكون تدفع بنا إلى منحدرات الجنون وعلى قدر تمسك المرء وشدة تحمله يزاد الدفع الى الهاوية. ثم رفعت رأسي من غير قصدٍ فوجدتها تنظر إلي، كانت عيناها كحلاء ملونه وآسرةٌ نظراتها، ثم تداركت الوضع واشاحت بوجهها لتكرر تأملها في الخارج. وضعت القلم من يداي، وتركت طاولتي ونهضت خطواتي كانت تأخذني باتجاهها، حتى جاء رجل طويل القامة أنيق الثياب، حاد الملامح وجلس جوارها، فتوقفت لبرهةٍ ثم أكملت السير خارجًا لأستنشق بعض الهواء. ظلت صورة عيناها الحزينتان في مخيلتي، انقضت خمس دقائق فعاودت الدخول، ثم جلست الى الطاولة مرة أخرى أحاول استجماع أفكاري واستلهام أي شيء، حتى خطفني من شرودي صوت بكاءٍ صامتِ، فنظرت حولي فإذا بها تبكي، وهو أمامها عاقدًا حاجباه، تغاضيت عن الأمر بحجة أنهما زوجان وقد تحصل مثل هذه المشاكل بين أي اثنين، وعلى اية حال لا علاقة لي بهما. ثم هدأت وقالت له: لكن لما؟ أكان ذنبي أني حقيقية ولم أكذب؟ أم لغفراني المتكرر لزلاتك؟ هلا أوضحت المسألةَ لي؟ ظل صامتًا لبرهة، ثم نهض ووضع يداه على الطاولة كما لو أنه في صفقة عمل، وقال: لا أستطيع تبرير أي شيء، لست من طلب منك المسامحة ولا التغاضي، ولست ملامًا عن عدم رؤيتك لمشاعري تجاهك، فأنا لم أحبك يومًا، كنت عاديةً ومجرد إضاعةٍ لوقتي الثمين، والآن وجدت فتاتي المناسبة، الى اللقاء لاري. ظلت نظراتها معلقةً به، وشَحُبَ لون وجهها، وتجمدت اخر دمعاتها على جفنها السفلي. خرج من المقهى، وترك فتاةً كالورد عالقةً في أخر أملٍ كان لديها، أنزلت رأسها إلى الطاولة وبدأت تستذكر كل لحظةٍ كاذبة ظنتها حقيقة، فنهضت حينها بإرادتي وأخذت امشي تسابقني الخطوات اليها، حتى جلست قبالتها ولم أقل شيئًا ولم ترفع هي الأخرى رأسها لتنظر من جاء، ثم قاطعتُ الصمت الذي خيّم علينا وقلت: أتشربين شايًا ام قهوة آنستي؟ فأجابت دون أن ترفع رأسها، شايًا بلا سكر وأكثر نعناعه، فطلبت أثنين مما قالته ورغم أني أحب القهوة والشاي بالسكر لكن لا مكان للرغبات في لحظات العزاء. قدمته لها، أخذت تنظر الى الكأس، تعصر عيناها لتخرج ما تبقى من دمع فيهما، ثم رفعت رأسها وأمسكت كاسة الشاي وشربت قليلاً ثم اعادتها، وضعت يداها الى الطاولة وقد شبكتهما ببعضهما، وأخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: شكرًا لك، هذه المرة الأولى التي يلبي فيها رجل رغبتي كاملة، صمتُّ في لحظة ذهولٍ ثم قلت: حبًا وكرمًا أنستي. وصمتُّ فأنا لا أجيد كثرة الحديث رغم ولهي بكثرة الكتابة. فقالت: ما الذي دفعك لتأتي إلي مرتان؟ كيف أدركت أني في المرة الاولى كنت اتجه اليها رغم أن الباب خلفها ايضًا، فقلت: ربما لنتشارك الأحاديث، فأنا فقدت الهامي، وأنت فقدتي رجلك. ضحكت قليلًا ثم قالت: لم يكن رجلي، كنت أعلم أنه ليس لي، وكنت أنتظر هذه اللحظة، لم أكن اعلم أي عمرٍ ستداهم الخمسين أم العشرين، لكنها أتت. فسألتها: ألم تكونا حبيبين؟ قالت: بلا، كنا نمثل مسرحية لملئ الفراغ ليس إلا، وأدركت ذلك حين وجدت فراغًا هائلًا بيننا، أفكارنا لم تكن تكمل بعضها، فهو رجل أعمال جلُّ ما يشغله المزيد من المال، وأنا كاتبة وأريد الالهام، وكنت أفقده حين يأتي، كان نرجسيًا، وكنت أحب المنح قبل الأخذِ، أترى النار تقع في غرام الجنةٍ؟

بقيت صامتًا عاجزًا عن الرد، فأكملت هي: حين دخلت بقيت مشوشةً أفكار بما سيقول وكيف سينهي قصتنا التي لم تبلغ الشهرين من عمرها، حتى نظرت اليك صدفةً وكنت غارقًا في تلك الأوراق، خُيل لي لو أنك تكتب لحبيبتك رسائل شوق وتمني اللقاء والحديث وليال أُنسٍ، وتمنيت لو أن جوليفار كان يستطيع قول كلمةٍ حلوة لكنه رغم دهائه المالي كان شحيحًا في تعامله. فتوقفت وقد كادت تعود للبكاء فقلت: آنستي، أنا كاتبُ حر، لا حب ولا صداقةَ تربطني، وهذا حالي منذ الازل، ولا أجيد الكلام كثيرًا فأغلب النقاشات هراءُ، ولا أعتقد أن باستطاعتي الكتابة عن الحب لكنني سررت بلقاء كاتبةٍ تجيد التمني، فأغلب الكاتبات سلاحهنَّ الكلمة والقلم، ولم أمر قط بكاتبةٍ تظهر ضعفها للعلن، حتى إذا أرادت وصف نفسها جاءت بقصص وهمية. ثم أكملت: أنسة لاري، لا وجود للكمال في شيء، لكن حسنًا فعلتم أن تجاوزتم هذه القصة الفارغة، والآن لا أعتقد أنه من السهل لأحد مسك يداك فالتجارب الفاشلة تصنع منا اشخاص اقوياء، ونحسن تلافي الاخطاء في القادمة، لذا دعك مما جرى وكوني حرةً وضعي لكلماتك دور الحاكمةِ، وإن شئت صرنا صديقان، رغم صعوبة الأمرِ، أمّا إن أردت أخلاء سبيلك والمضي في طريقٍ آخر فذلك الأمر يعود لك ولا إجبار ولا ترهيب عندي، أمسكِ يداي أو أتركي هذه حياتك وأنت من تقرري اصاب الذهول وجهها، ثم قالت ضاحكةً: لك الفرص أبقيتها ولا عزاءَ لمن خسرني

 

هناء أسامة خريسات

 

 

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author
Hana'a Khraisat
6 followers