حين توضع المقادير بالشكل المناسب - الجزء الثاني

نهضت من مكاني ووقفت أمامه، ثم امسكتُ يداه وقلت: أسرفت وقتًا لا بأس به في علاقات ولحظات كنت أعلم يقينًا أنها لن تعود عليّ بالسعادة، وللمرة الأولى أشعر كما لو أنني أطير فرحًا فلما لا أغامر مرة أخرى متبعةً صوت قلبي.

  كان ينظر وعيناه تفيض حنانًا، نهض همهم ثم قال: حسنًا صديقتي لاري، لنرى الطريق الذي يأخذنا اليه صوت القلب إن أتبعناه. خرج كلانا من المقهى يمسك أحدنا بيد الاخر كما لو أننا طفلان يشدان يدا بعضهما لحظة قطعهما الشارع. ~~~ مر خمس سنوات، الى الآن، سرقتني الخطوات إلى المقهى الذي التقيت مارك أول الأمر فيه، نظرت إلى الساعة: أوه جيد بقي نصف ساعة عن اللقاء. كان مارك قد ذهب في رحلة عمل إلى لندن منذ ثلاثة أشهر، وكآنسةٍ تنتظر خاطبها منذ ثلاثة أشهرٍ فلا حجةً لأحدٍ أن يعجب من تخبطي ذلك اليوم، أي الفساتين سأرتدي، وأي القبعات أضع، حتى لون حمرة الشفاه كان اختياره مربكًا رغم وضعي اياه كل يومٍ دون تخبّط.

  الشارع كان مزدحمًا لطيفًا، لاتزال الاشجار خضراء عالية، والعصافير تغرد، والحمامُ يلتقط فتات الخبز والقمح عن الارض ويهدّل معلنًا سروره وامتنانه.

  وصلت أخيرًا المقهى، دخلته متوجهةً إلى الطاولة التي عقدنا فيها هدنةٍ صداقتنا، وعزمنا عندها على اتباع صوت قلبينا.  كانت الدقائق تمضي دون ثقلٍ، وها قد حان موعد اللقاء، السابعة والنصف ليلًا، فُتح باب المقهى، خرجت دمعةُ من عيني اليسرى، لتتبعها اخرى من اليمنى حين رأيت مارك يدخل وقد زاد بهاءً وحسنًا، نهضت من مكاني وصل الي، تبادلت نظراتنا الفائض من الكلام والشوق والحب. ~~~ كانت لاري فتاة اخرى هذه المرة، ورغم انها تستمر في ادهاشي بتميزها وتفردها كل لقاء الا ان هذه المرة كانت تشع بشكلٍ أكثر عذوبة.  لم تستمر تحيةُ الأعين كثيرًا، فهأنا ذا أنخفض قليلًا وأقبل يداها بعد أن امسكتها، لاتزال رقيقةً كما عهدتها، نظرت الي وقالت: أووه عزيزي مارك. جلسنا الى الطاولة وبتنا نتبادل الأحاديث، ثم استأذنتها لأذهب وأحضر كأسا شايٍ دون سكر. ~~~  كنت منزعجًا هذا اليوم، لا شيء يسير معي بطريقةٍ جيّدة، فأردت أن أخذ قسطًا من الراحة علّني أستعيد القليل من تركيزي الذي اخذ بالتشتت منذ خمس سنوات، كنت أسيرُ في الشارع الذي اعتادت لاري التحدث عنه ووصفه في مقالاتها، صحيحٌ أني حين قررت ترك لاري كنت قد خسرت الورقة الرابحة الوحيدة التي ملكتها رغم ما املك، وجدت نفسي أقف أمام المقهى الذي خسرت فيه تلك الورقة الرابحة، فهممت بالدخول، أخذتني عيناي إلى الطاولة التي جلسنا اليها ذلك اليوم، فرأيت آنسةً أنيسةَ المظهر، بريئة الملامح، تشع كمًّا هائلا من السعادة، وحين التفتت نحوي بقيت واقفًا دون حراك، توقف الزمن عن الركض وهدأ كل شيءٍ فجأة، تمتمتُ: لاري؟! ثم أدركت نفسي وعاد الزمن ليمضي، وأخذت أسير نحوها دون انتباه، حتى استوقفني ذلك الرجل الذي وضع كأس شايٍ أمامها، وخاطبها قائلٍا: شايٌ بلا سكر، السكر عيناكِ. ~~ لا اعلم كيف يدير القدر حياتنا، لكن ما رأيته الآن كان مزحةً منه على أقل تقدير، جيم، أمامي وبعد كل هذه السنين!!!

  كان ينظر الي بطريقةٍ بلهاء، لم أعلم الوقت الذي أمضاه ينظر الي قبل أن ألتفت فأراه، لكن الذي بقيه واقفًا كأنه رأى شبحًا أمامه لا بأس به، سار نحوي، لم أتمكن من فهمه، أأحمق هو؟ لم تعد بيننا رابطةُ واحدةُ حتى! ظل يسير ثم أتى مارك ليأخذ مساحة انتباهي كاملة، حتى أني نسيت أمر جيم.

  بدأ مارك يتحدث عن رحلته، وكيف يمكننا بعد وقت قصير أن ننشئ دار نشر خاصة بنا، بعد نشرنا لعشرات الكتب وتداولها بكثرة حتى أن خمس منها كُنّا من الأكثر مبيعًا. سرّني ما قال، بل إني طرت به فرحًا، وفرحتي بعودته سالمًا لا تقل عن ذلك أيضًا.

  اخذ الصمت يعم المكان قليلًا حين سمعنا صوت الموسيقى المفضلة لنا، نظر مارك الي ثم قال: لم تكن هذه اول ارباحي، لقد ربحت قبل خمس سنين كنزًا حقيقًا لا يفنى، صادق، دائم، معاون ومتفهم، مثالي الملامح، مليح الوصف، وقارئي وكاتبي المفضل، لا أعلم كيف لرجل أعمال كبير كجيم أن يخسرك.

  ابتسمت وقلت: لا يربح الأكثر قوة بل الأكثر استحقاق. ~~ حين قاطع سيري نحوها ذلك الشاب، أكملت سيري لأجلس الى الطاولة خلفهما، نظرت الى الشارع وتأملت المنظر محاولا الهرب من الكابوس الذي رأيته، كان منظر الغروب مذهلًا، لكني رغم ذلك لم أستطع تجاوزه، فطلبت قهوةً بالسُّكر، فالحلو في حياتي قد أنتهى.

  بدءا يتبادلان الأحاديث، لم أقصد التركيز معهما كأنسانٍ واعٍ لكنني كنت دون وعيٍّ حينها، كان أسلوبه في الحديث مدروسًا، كأنه يخاطب زهرةً لا بشرًا، ورغم أن الاستثمار والحديث فيه لم يكن يعجب لاري إلا أنها كانت تسأله ادق التفاصيل.

شعرت بالغيظ وأردت الخروج إلى ان وصلت مسامعي كلماته، أحقًا خسارة بمسارٍ واحدٍ لا اثنان، ألا تفاوض أو تعويض للأرجاع!؟ لاري وهذا الشاب مخطوبان! حينها فقدت قدرتي على التحرك وفضلت البقاء جالسًا خيرًا من النهوض والتهاوي أرضًا.

 

هناء أسامة خريسات

 

 

Comments

You must be logged in to post a comment.

About Author
Hana'a Khraisat
6 followers